|
بيانات اضافيه [
+
]
|
|
رقم العضوية : 17365
|
|
تاريخ التسجيل : Mar 2008
|
|
أخر زيارة : اليوم (03:49 AM)
|
|
المشاركات :
28,291 [
+
] |
|
التقييم : 108714
|
|
الجنس ~
|
|
|
|
SMS ~
|
|
|
لوني المفضل : Tan
|
|
رد: تفسيرْ القرآنْ الكريمْ كاملاً.. ( سورة الأعراف )
(( تفسير الطبري ))

قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَا رَبّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِر لَنَا وَتَرْحَمنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ }
وَهَذَا خَبَر مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ آدَم وَحَوَّاء فِيمَا أَجَابَاهُ بِهِ , وَاعْتِرَافهمَا عَلَى
أَنْفُسهمَا بِالذَّنْبِ , وَمَسْأَلَتهمَا إِيَّاهُ الْمَغْفِرَة مِنْهُ وَالرَّحْمَة , خِلَاف جَوَاب اللَّعِين إِبْلِيس إِيَّاهُ.
وَمَعْنَى قَوْله : { قَالَا رَبّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسنَا } قَالَ آدَم وَحَوَّاء لِرَبِّهِمَا : يَا رَبّنَا فَعَلْنَا بِأَنْفُسِنَا مِنْ
الْإِسَاءَة إِلَيْهَا بِمَعْصِيَتِك وَخِلَاف أَمْرك وَبِطَاعَتِنَا عَدُوّنَا وَعَدُوّك , فِيمَا لَمْ يَكُنْ لَنَا أَنْ نُطِيعهُ
فِيهِ مِنْ أَكْل الشَّجَرَة الَّتِي نَهَيْتنَا عَنْ أَكْلِهَا. { وَإِنْ لَمْ تَغْفِر لَنَا } يَقُول : وَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَسْتُر
عَلَيْنَا ذَنْبنَا فَتُغَطِّيه عَلَيْنَا , وَتَتْرُك فَضِيحَتنَا بِهِ بِعُقُوبَتِك إِيَّانَا عَلَيْهِ , وَتَرْحَمنَا بِتَعَطُّفِك عَلَيْنَا
وَتَرْكك أَخْذنَا بِهِ ; { لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ } يَعْنِي : لَنَكُونَنَّ مِنْ الْهَالِكِينَ . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى
الْخَاسِر فِيمَا مَضَى بِشَوَاهِدِهِ وَالرِّوَايَة فِيهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . 11207 -
حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ :
قَالَ آدَم عَلَيْهِ السَّلَام : يَا رَبّ , أَرَأَيْت إِنْ تُبْت وَاسْتَغْفَرْتُك ؟ قَالَ : إذًا أُدْخِلك الْجَنَّة !
وَأَمَّا إِبْلِيس فَلَمْ يَسْأَلهُ التَّوْبَة , وَسَأَلَ النَّظِرَة , فَأُعْطِيَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مَا سَأَلَ . 11208 -
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْم , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك
فِي قَوْله : { رَبّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِر لَنَا } الْآيَة , قَالَ : هِيَ الْكَلِمَات الَّتِي تَلَقَّاهَا
آدَم مِنْ رَبّه .
قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ اِهْبِطُوا بَعْضكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ } وَهَذَا خَبَر مِنْ اللَّه تَعَالَى
ذِكْرهُ عَنْ فِعْله بِإبْلِيس , وَذُرِّيَّته وَآدَم وَوَلَده وَالْحَيَّة , يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِآدَم وَحَوَّاء وَإِبْلِيس
وَالْحَيَّة : اِهْبِطُوا مِنْ السَّمَاء إِلَى الْأَرْض بَعْضكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ. كَمَا : 11209 - حَدَّثَنَا اِبْن
وَكِيع , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن طَلْحَة , عَنْ أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { اهْبِطُوا بَعْضكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ }
قَالَ : فَلَعَنَ الْحَيَّة , وَقَطَعَ قَوَائِمهَا , وَتَرَكَهَا تَمْشِي عَلَى بَطْنهَا , وَجَعَلَ رِزْقهَا مِنْ التُّرَاب
وَأُهْبِطُوا إِلَى الْأَرْض , آدَم وَحَوَّاء وَإِبْلِيس وَالْحَيَّة. 11210 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ :
ثنا أَبُو أُسَامَة , عَنْ أَبِي عَوَانَة , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن سَالِم , عَنْ أَبِي صَالِح :
{ اهْبِطُوا بَعْضكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ } قَالَ : آدَم وَحَوَّاء وَالْحَيَّة .
وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ
وَقَوْله : { وَلَكُمْ فِي الْأَرْض مُسْتَقَرّ } يَقُول : وَلَكُمْ يَا آدَم وَحَوَّاء وَإِبْلِيس وَالْحَيَّة , فِي الْأَرْض
قَرَار تَسْتَقِرُّونَهُ وَفِرَاش تَمْتَهِدُونَهُ . كَمَا : 11211 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ :
ثنا آدَم الْعَسْقَلَانِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة , فِي قَوْله :
{ وَلَكُمْ فِي الْأَرْض مُسْتَقَرّ } قَالَ : هُوَ قَوْله : { الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْض فِرَاشًا } 2 22 وَرُوِيَ
عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي ذَلِكَ مَا : 11212 - حَدَّثَنَا عَنْ عُبَيْد اللَّه , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ السُّدِّيّ
عَمَّنْ حَدَّثَهُ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَكُمْ فِي الْأَرْض مُسْتَقَرّ } قَالَ : الْقُبُور.
قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره أَخْبَرَ آدَم وَحَوَّاء
وَإِبْلِيس وَالْحَيَّة إِذْ أُهْبِطُوا إِلَى الْأَرْض , أَنَّهُمْ عَدُوّ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ , وَأَنَّ لَهُمْ فِيهَا مُسْتَقَرًّا
يَسْتَقِرُّونَ فِيهِ , وَلَمْ يُخَصِّصهَا بِأَنَّ لَهُمْ فِيهَا مُسْتَقَرًّا فِي حَال حَيَاتهمْ دُون حَال مَوْتهمْ
بَلْ عَمَّ الْخَبَر عَنْهَا بِأَنَّ لَهُمْ فِيهَا مُسْتَقَرًّا , فَذَلِكَ عَلَى عُمُومه كَمَا عَمَّ خَبَر اللَّه , وَلَهُمْ
فِيهَا مُسْتَقَرّ فِي حَيَاتهمْ عَلَى ظَهْرهَا وَبَعْد وَفَاتهمْ فِي بَطْنهَا , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ :
{ أَلَمْ نَجْعَل الْأَرْض كِفَاتًا أَحْيَاء وَأَمْوَاتًا } 77 25 : 26
وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ
وَأَمَّا قَوْله : { وَمَتَاع إِلَى حِين } فَإِنَّهُ يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَكُمْ فِيهَا مَتَاع تَسْتَمْتِعُونَ بِهِ إِلَى
اِنْقِطَاع الدُّنْيَا , وَذَلِكَ هُوَ الْحِين الَّذِي ذَكَرَهُ . كَمَا : 11213 - حَدَّثَنَا عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن
مُوسَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيل , عَنْ السُّدِّيّ , عَمَّنْ حَدَّثَهُ , عَنْ اِبْن عَبَّاس :
{ وَمَتَاع إِلَى حِين } قَالَ : إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَإِلَى اِنْقِطَاع الدُّنْيَا . وَالْحِين نَفْسه الْوَقْت
غَيْر أَنَّهُ مَجْهُول الْقَدْر , يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ قَوْل الشَّاعِر : وَمَا مِرَاحك بَعْد الْحِلْم وَالدِّين وَقَدْ
عَلَاك مَشِيب حِين لَا حِين أَيْ وَقْت لَا وَقْت .
قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ }
يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ اللَّه لِلَّذِينَ أَهْبَطَهُمْ مِنْ سَمَاوَاتِهِ إِلَى أَرْضه : { فِيهَا تَحْيَوْنَ }
يَقُول : فِي الْأَرْض تَحْيَوْنَ , يَقُول : تَكُونُونَ فِيهَا أَيَّام حَيَاتكُمْ , { وَفِيهَا تَمُوتُونَ } يَقُول
فِي الْأَرْض تَكُون وَفَاتكُمْ , { وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ } : يَقُول : وَمِنْ الْأَرْض يُخْرِجكُمْ رَبّكُمْ
وَيَحْشُركُمْ إِلَيْهِ لِبَعْثِ الْقِيَامَة أَحْيَاء .
يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ
آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ
يَمْتَنّ تَعَالَى عَلَى عِبَاده بِمَا جَعَلَ لَهُمْ مِنْ اللِّبَاس وَالرِّيش فَاللِّبَاس سَتْر الْعَوْرَات وَهِيَ
السَّوْآت وَالرِّيَاش وَالرِّيش مَا يُتَجَمَّل بِهِ ظَاهِرًا فَالْأَوَّل مِنْ الضَّرُورِيَّات وَالرِّيش مِنْ التَّكْمِلَات
وَالزِّيَادَات قَالَ اِبْن جَرِير الرِّيَاش فِي كَلَام الْعَرَب الْأَثَاث وَمَا ظَهَرَ مِنْ الثِّيَاب وَقَالَ عَلِيّ بْن
أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس وَحَكَاهُ الْبُخَارِيّ عَنْهُ الرِّيَاش الْمَال . وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِد وَعُرْوَة
بْن الزُّبَيْر وَالسُّدِّيّ وَالضَّحَّاك وَغَيْر وَاحِد وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس الرِّيش اللِّبَاس
وَالْعَيْش وَالنَّعِيم وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ الرِّيَاش الْجَمَال وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا
يَزِيد بْن هَارُون حَدَّثَنَا أَصْبَغ عَنْ أَبِي الْعَلَاء الشَّامِيّ قَالَ لَبِسَ أَبُو أُمَامَةَ ثَوْبًا جَدِيدًا فَلَمَّا
بَلَغَ تَرْقُوَته قَالَ الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي مَا أُوَارِي بِهِ عَوْرَتِي وَأَتَجَمَّل بِهِ فِي حَيَاتِي ثُمَّ قَالَ
سَمِعْت عُمَر بْن الْخَطَّاب يَقُول قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ اِسْتَجَدَّ
ثَوْبًا فَلَبِسَهُ فَقَالَ حِين يَبْلُغ تَرْقُوَته الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي مَا أُوَارِي بِهِ عَوْرَتِي وَأَتَجَمَّل
بِهِ فِي حَيَاتِي ثُمَّ عَمَدَ إِلَى الثَّوْب الْخَلِق فَتَصَدَّقَ بِهِ كَانَ فِي ذِمَّة اللَّه وَفِي جِوَار اللَّه
وَفِي كَنَف اللَّه حَيًّا وَمَيِّتًا } . رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ رِوَايَة يَزِيد بْن هَارُون عَنْ أَصْبَغ هُوَ
اِبْن زَيْد الْجُهَنِيّ وَقَدْ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْن مَعِين وَغَيْره وَشَيْخه أَبُو الْعَلَاء الشَّامِيّ لَا يُعْرَف إِلَّا
بِهَذَا الْحَدِيث وَلَكِنْ لَمْ يُخَرِّجهُ أَحَد وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد أَيْضًا حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن
عُبَيْد حَدَّثَنَا مُخْتَار بْن نَافِع التَّمَّار عَنْ أَبِي مَطَر أَنَّهُ رَأَى عَلِيًّا رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَتَى غُلَامًا
حَدَثًا فَاشْتَرَى مِنْهُ قَمِيصًا بِثَلَاثَةِ دَرَاهِم وَلَبِسَهُ مَا بَيْن الرُّسْغَيْنِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ يَقُول حِين
لَبِسَهُ الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي مِنْ الرِّيَاش مَا أَتَجَمَّل بِهِ فِي النَّاس وَأُوَارِي بِهِ عَوْرَتِي
فَقِيلَ هَذَا شَيْء تَرْوِيه عَنْ نَفْسك أَوْ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ هَذَا شَيْء
سَمِعْته مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول عِنْد الْكِسْوَة{ الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي
مِنْ الرِّيَاش مَا أَتَجَمَّل بِهِ فِي النَّاس وَأُوَارِي بِهِ عَوْرَتِي } . رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد وَقَوْله تَعَالَى
{ وَلِبَاس التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْر } قَرَأَ بَعْضهمْ وَلِبَاس التَّقْوَى بِالنَّصْبِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالرَّفْعِ عَلَى
الِابْتِدَاء وَذَلِكَ خَيْر خَبَره وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَاهُ فَقَالَ عِكْرِمَة يُقَال هُوَ مَا يَلْبَسهُ
الْمُتَقَوِّم يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم وَقَالَ زَيْد بْن عَلِيّ وَالسُّدِّيّ وَقَتَادَة وَابْن جُرَيْج
وَلِبَاس التَّقْوَى الْإِيمَان وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس الْعَمَل الصَّالِح قَالَ الدَّيَّال بْن عَمْرو
عَنْ اِبْن عَبَّاس هُوَ السَّمْت الْحَسَن فِي الْوَجْه وَعَنْ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر لِبَاس التَّقْوَى خَشْيَة
اللَّه وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ وَلِبَاس التَّقْوَى يَتَّقِي اللَّه فَيُوَارِي عَوْرَته فَذَاكَ
لِبَاس التَّقْوَى وَكُلّهَا مُتَقَارِبَة وَيُؤَيِّد ذَلِكَ الْحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ اِبْن جَرِير حَيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي
الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن الْحَجَّاج حَدَّثَنِي إِسْحَاق بْن إِسْمَاعِيل عَنْ سُلَيْمَان بْن أَرْقَم
عَنْ الْحَسَن قَالَ : رَأَيْت عُثْمَان بْن عَفَّان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَلَى مِنْبَر رَسُول اللَّه ..
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ قَمِيص فَوَهِيَ مَحْلُول الزِّرّ وَسَمِعْته يَأْمُر بِقَتْلِ الْكِلَاب وَيَنْهَى
عَنْ اللَّعِب بِالْحَمَامِ ثُمَّ قَالَ يَا أَيّهَا النَّاس اِتَّقُوا اللَّه فِي هَذِهِ السَّرَائِر فَإِنِّي سَمِعْت
رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول { وَاَلَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ مَا أَسَرَّ أَحَد سَرِيرَة
إِلَّا أَلْبَسَهُ اللَّه رِدَاءَهَا عَلَانِيَة إِنْ خَيْرًا فَخَيْر وَإِنْ شَرًّا فَشَرّ } .
ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة { وَرِيشًا وَلِبَاس التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْر ذَلِكَ مِنْ آيَات اللَّه }
قَالَ السَّمْت الْحَسَن . هَكَذَا رَوَاهُ اِبْن جَرِير مِنْ رِوَايَة سُلَيْمَان بْن أَرْقَم وَفِيهِ ضَعْف وَقَدْ
رَوَى الْأَئِمَّة الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَالْبُخَارِيّ فِي كِتَاب الْأَدَب مِنْ طُرُق صَحِيحَة عَنْ الْحَسَن
الْبَصْرِيّ أَنَّهُ سَمِعَ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَان بْن عَفَّان يَأْمُر بِقَتْلِ الْكِلَاب وَذَبْح الْحَمَام يَوْم
الْجُمُعَة عَلَى الْمِنْبَر وَأَمَّا الْمَرْفُوع مِنْهُ فَقَدْ رَوَى الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه
الْكَبِير لَهُ شَاهِدًا مِنْ وَجْه آخَر حَيْثُ قَالَ حَدَّثَنَا .
يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا
سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا
يُحَذِّر تَعَالَى بَنِي آدَم مِنْ إِبْلِيس وَقَبِيله مُبَيِّنًا لَهُمْ عَدَاوَته الْقَدِيمَة لِأَبِي الْبَشَر آدَم عَلَيْهِ
السَّلَام فِي سَعْيه فِي إِخْرَاجه مِنْ الْجَنَّة الَّتِي هِيَ دَار النَّعِيم إِلَى دَار التَّعَب وَالْعَنَاء
وَالتَّسَبُّب فِي هَتْك عَوْرَته بَعْدَمَا كَانَتْ مَسْتُورَة عَنْهُ وَمَا هَذَا إِلَّا عَنْ عَدَاوَة أَكِيدَة وَهَذَا
كَقَوْلِهِ تَعَالَى { أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّته أَوْلِيَاء مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا } .
وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ
أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاَللَّه أَمَرَنَا بِهَا
قُلْ إِنَّ اللَّه لَا يَأْمُر بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ } ذُكِرَ أَنَّ مَعْنَى الْفَاحِشَة
فِي هَذَا الْمَوْضِع , مَا : 11247 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن سَعِيد بْن مَسْرُوق الْكِنْدِيّ , قَالَ :
ثنا أَبُو مُحَيَّاة عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد :
{ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاَللَّه أَمَرَنَا بِهَا } قَالَ : كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ
عُرَاة , يَقُولُونَ : نَطُوف كَمَا وَلَدَتْنَا أُمَّهَاتنَا , فَتَضَع الْمَرْأَة عَلَى قُبُلهَا النِّسْعَة أَوْ الشَّيْء
فَتَقُول : الْيَوْم يَبْدُو بَعْضه أَوْ كُلّه فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلّهُ 11248 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ :
ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله :
{ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا } فَاحِشَتهمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاة .
* حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو أُسَامَة , عَنْ مُفَضَّل , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد ,
مِثْله. 11249 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عِمْرَان بْن عُيَيْنَة , عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب
عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر وَالشَّعْبِيّ : { وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا } قَالَ :
كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاة . 11250 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ :
ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ :
{ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاَللَّه أَمَرَنَا بِهَا } قَالَ : كَانَ قَبِيلَة مِنْ الْعَرَب
مِنْ أَهْل الْيَمَن يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاة , فَإِذَا قِيلَ : لِمَ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ ؟ قَالُوا :
وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا , وَاَللَّه أَمَرَنَا بِهَا . 11251 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز ,
قَالَ : ثنا إِسْرَائِيل , عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس :
{ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة } قَالَ : طَوَافهمْ بِالْبَيْتِ عُرَاة . * حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ :
ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا أَبُو سَعْد , عَنْ مُجَاهِد :
{ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا } قَالَ : فِي طَوَاف الْحُمْس فِي الثِّيَاب
وَغَيْرهمْ عُرَاة . * حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج
عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا } قَالَ : كَانَ نِسَاؤُهُمْ
يَطُفْنَ بِالْبَيْتِ عُرَاة , فَتِلْكَ الْفَاحِشَة الَّتِي وَجَدُوا عَلَيْهَا آبَاءَهُمْ
{ قُلْ إِنَّ اللَّه لَا يَأْمُر بِالْفَحْشَاءِ } الْآيَة . فَتَأْوِيل الْكَلَام إِذَنْ : وَإِذَا فَعَلَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
بِاَللَّهِ الَّذِينَ جَعَلَ اللَّه الشَّيَاطِين لَهُمْ أَوْلِيَاء قَبِيحًا مِنْ الْفِعْل وَهُوَ الْفَاحِشَة , وَذَلِكَ
تَعَرِّيهمْ لِلطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَتَجَرُّدهمْ لَهُ , فَعُذِلُوا عَلَى مَا أَتَوْا مِنْ قَبِيح فِعْلهمْ وَعُوتِبُوا عَلَيْهِ ,
قَالُوا : وَجَدْنَا عَلَى مِثْل مَا نَفْعَل آبَاءَنَا , فَنَحْنُ نَفْعَل مِثْل مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ , وَنَقْتَدِي
بِهَدْيِهِمْ وَنَسْتَنّ بِسُنَّتِهِمْ , وَاَللَّه أَمَرَنَا بِهِ , فَنَحْنُ نَتَّبِع أَمْرَهُ فِيهِ , يَقُول اللَّه جَلَّ ذِكْره
لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد لَهُمْ :
إِنَّ اللَّه لَا يَأْمُر بِالْفَحْشَاءِ , يَقُول : لَا يَأْمُر خَلْقه بِقَبَائِح الْأَفْعَال وَمَسَاوِيهَا , أَتَقُولُونَ
أَيّهَا النَّاس عَلَى اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ ! يَقُول : أَتَرْوُونَ عَلَى اللَّه أَنَّهُ أَمَرَكُمْ بِالتَّعَرِّي
وَالتَّجَرُّد مِنْ الثِّيَاب وَاللِّبَاس لِلطَّوَافِ , وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ .
قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا
بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ
قَوْله تَعَالَى { قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ } أَيْ بِالْعَدْلِ وَالِاسْتِقَامَة { وَأَقِيمُوا وُجُوهكُمْ عِنْد كُلّ
مَسْجِد وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين } أَيْ أَمَرَكُمْ بِالِاسْتِقَامَةِ فِي عِبَادَته فِي مَحَالّهَا وَهِيَ
مُتَابَعَة الْمُرْسَلِينَ الْمُؤَيَّدِينَ بِالْمُعْجِزَاتِ فِيمَا أَخْبَرُوا بِهِ عَنْ اللَّه وَمَا جَاءُوا بِهِ مِنْ الشَّرَائِع
وَبِالْإِخْلَاصِ لَهُ فِي عِبَادَته فَإِنَّهُ تَعَالَى لَا يَتَقَبَّل الْعَمَل حَتَّى يَجْمَع هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ أَنْ يَكُون
صَوَابًا مُوَافِقًا لِلشَّرِيعَةِ وَأَنْ يَكُون خَالِصًا مِنْ الشِّرْك . وَقَوْله تَعَالَى { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ }
إِلَى قَوْله { الضَّلَالَة} اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْله { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } فَقَالَ اِبْن أَبِي نَجِيح
عَنْ مُجَاهِد {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } يُحْيِيكُمْ بَعْد مَوْتكُمْ . وَقَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ كَمَا بَدَأَكُمْ
فِي الدُّنْيَا كَذَلِكَ تَعُودُونَ يَوْم الْقِيَامَة أَحْيَاء وَقَالَ قَتَادَة { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ }
قَالَ بَدَأَ فَخَلَقَهُمْ وَلَمْ يَكُونُوا شَيْئًا ثُمَّ ذَهَبُوا ثُمَّ يُعِيدهُمْ وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن
أَسْلَمَ كَمَا بَدَأَكُمْ أَوَّلًا كَذَلِكَ يُعِيدكُمْ آخِرًا وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْل أَبُو جَعْفَر بْن جَرِير وَأَيَّدَهُ بِمَا
رَوَاهُ مِنْ حَدِيث سُفْيَان الثَّوْرِيّ وَشُعْبَة بْن الْحَجَّاج كِلَاهُمَا عَنْ الْمُغِيرَة بْن النُّعْمَان عَنْ
سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : قَامَ فِينَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بِمَوْعِظَةٍ فَقَالَ { يَا أَيّهَا النَّاس إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ إِلَى اللَّه حُفَاة عُرَاة غُرْلًا كَمَا بَدَأْنَا أَوَّل خَلْق
نُعِيدهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} . وَهَذَا الْحَدِيث مُخَرَّج فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث شُعْبَة
وَفِي حَدِيث الْبُخَارِيّ أَيْضًا مِنْ حَدِيث الثَّوْرِيّ بِهِ . وَقَالَ وَرْقَاء بْن إِيَاس أَبُو يَزِيد عَنْ مُجَاهِد
{ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } قَالَ يُبْعَث الْمُسْلِم مُسْلِمًا وَالْكَافِر كَافِرًا وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة
{ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } رُدُّوا إِلَى عِلْمه فِيهِمْ وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ كَمَا
كَتَبَ عَلَيْكُمْ تَكُونُونَ وَفِي رِوَايَة كَمَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ تَكُونُونَ وَقَالَ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ فِي
قَوْله تَعَالَى{ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } مَنْ اِبْتَدَأَ اللَّه خَلْقه عَلَى الشَّقَاوَة صَارَ إِلَى مَا اُبْتُدِئَ
عَلَيْهِ خَلْقه وَإِنْ عَمِلَ بِأَعْمَالِ أَهْل السَّعَادَة وَمَنْ اِبْتَدَأَ خَلْقه عَلَى السَّعَادَة صَارَ إِلَى
مَا اُبْتُدِئَ خَلْقه عَلَيْهِ وَإِنْ عَمِلَ بِأَعْمَالِ أَهْل الشَّقَاء كَمَا أَنَّ السَّحَرَة عَمِلُوا بِأَعْمَالِ
أَهْل الشَّقَاء ثُمَّ صَارُوا إِلَى مَا اُبْتُدِئُوا عَلَيْهِ وَقَالَ السُّدِّيّ{ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَى
وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمْ الضَّلَالَة } يَقُول { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } كَمَا خَلَقْنَاكُمْ فَرِيق مُهْتَدُونَ
وَفَرِيق ضَلَال كَذَلِكَ تَعُودُونَ وَتُخْرَجُونَ مِنْ بُطُون أُمَّهَاتكُمْ وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ
اِبْن عَبَّاس قَوْله { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمْ الضَّلَالَة }
قَالَ إِنَّ اللَّه تَعَالَى بَدَأَ خَلْق اِبْن آدَم مُؤْمِنًا وَكَافِرًا كَمَا قَالَ { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِر
وَمِنْكُمْ مُؤْمِن } ثُمَّ يُعِيدهُمْ يَوْم الْقِيَامَة كَمَا بَدَأَ خَلْقهمْ مُؤْمِنًا وَكَافِرًا قُلْت وَيَتَأَيَّد هَذَا
الْقَوْل بِحَدِيثِ اِبْن مَسْعُود فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ { فَوَاَلَّذِي لَا إِلَه غَيْره إِنَّ أَحَدكُمْ لَيَعْمَل
بِعَمَلِ أَهْل الْجَنَّة حَتَّى مَا يَكُون بَيْنه وَبَيْنهَا إِلَّا بَاع أَوْ ذِرَاع فَيَسْبِق عَلَيْهِ الْكِتَاب فَيَعْمَل
بِعَمَلِ أَهْل النَّار فَيَدْخُلهَا وَإِنَّ أَحَدكُمْ لَيَعْمَل بِعَمَلِ أَهْل النَّار حَتَّى مَا يَكُون بَيْنه وَبَيْنهَا
إِلَّا بَاع أَوْ ذِرَاع فَيَسْبِق عَلَيْهِ الْكِتَاب فَيَعْمَل بِعَمَلِ أَهْل الْجَنَّة فَيَدْخُل الْجَنَّة } وَقَالَ أَبُو
الْقَاسِم الْبَغَوِيّ حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن الْجَعْد حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّان عَنْ أَبِي حَازِم عَنْ سَهْل بْن
سَعْد قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إِنَّ الْعَبْد لَيَعْمَل فِيمَا يَرَى النَّاس
بِعَمَلِ أَهْل الْجَنَّة وَإِنَّهُ مِنْ أَهْل النَّار وَإِنَّهُ لَيَعْمَل فِيمَا يَرَى النَّاس بِعَمَلِ أَهْل النَّار وَإِنَّهُ
مِنْ أَهْل الْجَنَّة وَإِنَّمَا الْأَعْمَال بِالْخَوَاتِيمِ } هَذَا قِطْعَة مِنْ حَدِيث الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي
غَسَّان مُحَمَّد بْن مُطَرِّف الْمَدَنِيّ فِي قِصَّة قُزْمَان يَوْم أُحُد وَقَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنِي اِبْن
بَشَّار حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي سُفْيَان عَنْ جَابِر عَنْ
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { تُبْعَث كُلّ نَفْس عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ } .
وَهَذَا الْحَدِيث رَوَاهُ مُسْلِم وَابْن مَاجَهْ مِنْ غَيْر وَجْه عَنْ الْأَعْمَش بِهِ وَلَفْظه
{ يُبْعَث كُلّ عَبْد عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ } وَعَنْ اِبْن عَبَّاس مِثْله قُلْت وَيَتَأَيَّد بِحَدِيثِ اِبْن
مَسْعُود قُلْت وَلَا بُدّ مِنْ الْجَمْع بَيْن هَذَا الْقَوْل إِنْ كَانَ هُوَ الْمُرَاد مِنْ الْآيَة وَبَيْن
قَوْله تَعَالَى { فَأَقِمْ وَجْهك لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَة اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاس عَلَيْهَا } وَمَا جَاءَ فِي
الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ
قَالَ { كُلّ مَوْلُود يُولَد عَلَى الْفِطْرَة فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ} وَفِي صَحِيح
مُسْلِم عَنْ عِيَاض بْن حِمَار قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يَقُول اللَّه تَعَالَى :{ إِنِّي خَلَقْت عِبَادِي حُنَفَاء فَجَاءَتْهُمْ الشَّيَاطِين فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينهمْ }
الْحَدِيث وَوَجْه الْجَمْع عَلَى هَذَا أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَهُمْ لِيَكُونَ مِنْهُمْ مُؤْمِن وَكَافِر فِي ثَانِي
الْحَال وَإِنْ كَانَ قَدْ فَطَرَ الْخَلْق كُلّهمْ عَلَى مَعْرِفَته وَتَوْحِيده وَالْعِلْم بِأَنَّهُ لَا إِلَه غَيْره كَمَا
أَخَذَ عَلَيْهِمْ الْمِيثَاق بِذَلِكَ وَجَعَلَهُ فِي غَرَائِزهمْ وَفِطَرهمْ وَمَعَ هَذَا قَدَّرَ أَنَّ مِنْهُمْ شَقِيًّا
وَمِنْهُمْ سَعِيدًا { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِر وَمِنْكُمْ مُؤْمِن } وَفِي الْحَدِيث
{ كُلّ النَّاس يَغْدُو فَبَائِع نَفْسه فَمُعْتِقهَا أَوْ مُوبِقهَا } .
وَقَدَر اللَّه نَافِذ فِي بَرِيَّته فَإِنَّهُ هُوَ { الَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى } وَ{ الَّذِي أَعْطَى كُلّ شَيْء خَلْقه
ثُمَّ هَدَى } وَفِي الصَّحِيحَيْنِ{ فَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مِنْ أَهْل السَّعَادَة فَسَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ
أَهْل السَّعَادَة وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْل الشَّقَاوَة فَسَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْل الشَّقَاوَة } .
 |
|