sada اليوفي
? الفراشه النائمه ?
?لهذا اخترت أن أكون بلا مشاعر?
? نــفحآت إيمآنية ?
معلومات
إحصائيات
مزاجي:
أحصائية الترشيح
عدد النقاط : 3976
الحلقة الثلاثون : أبو سفيان بن الحارث - من الظلمات الى النور انه أبو سفيان آخر، غير أبو سفيان بن حرب.. وان قصته، هي قصة الهدى بعد الضلال.. والحب بعد الكراهية.. والسعادة بعد الشقوة.. هي قصة رحمة الله الواسعة حين تفتح أبوابها اللاجئ ألقى نفسه بين يدي الله بعد أن أضناه طول اللغوب..!! تصوّروا بعد عشرين عاما قضاها ابن الحارث في عداوة موصولة للاسلام..!! عشرون عاما منذ بعث النبي عليه السلام، حتى اقترب يوم الفتح العظيم، وأبو سفيان بن الحارث يشدّ أزر قريش وحلفائها، ويهجو الرسول بشعره، ولا يكاد يتخلف عن حشد تحشده قريش لقتال..!! وكان اخوته الثلاثة: نوفل، وربيعة، وعبدالله قد سبقوه الى الاسلام.. وأبو سفيان هذا، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، اذ هو ابن الحارث بن عبدالمطلب.. ثم هو أخو النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، اذ أرضعته حليمة السعدية مرضعة الرسول بضعة أيام.. وذات يوم نادته الأقدار لمصيره السعيد، فنادى ولده جعفرا، وقال لأهله: انا مسافران.. الى أين يا بن الحارث.. الى رسول الله لنسلم معه لله رب العالمين.. ومضى يقطع الأرض بفرسه ويطويها طيّ التائبين.. وعند الأبواء أبصر مقدمة جيش لجب. وأدرك أنه الرسول قاصدا مكة لفتحها. وفكّر ماذا يصنع..؟ ان الرسول قد أهدر دمه من طول ما حمل سيفه ولسانه ضد الاسلام، مقاتلا وهاجيا.. فاذا رآه أحد من الجيش، فسيسارع الى القصاص منه.. وان عليه أن يحتال للأمر حتى يلقي نفسه بين يدي رسول الله أولا، وقبل أن تقع عليه عين أحد من المسلمين.. وتنكّر أبو سفيان بن الحارث حتى أخفى معالمه، وأخذ بيد ابنه جعفر، وسار مشيا على الأقدام شوطا طويلا، حتى أبصر رسول الله قادما في كوكبة من أصحابه، فتنحّى حتى نزل الركب.. وفجأة ألقى بنفسه أمام رسول الله مزيحا قناعه فعرفه الرسول، وحو ل وجهه عنه، فأتاه أبو سفيان من الناحية أخرى، فأعرض النبي صلى الله عليه وسلم. وصاح أبو سفيانوولده جعفر: " نشهد أن لا اله الا الله ونشهد أن محمدا رسول الله". واقترب من النبي صلى الله عليه وسلم قائلا: " لا تثريب يا رسول الله".. وأجابه الرسول: " لا تثريب يا أبا سفيان. ثم أسلمه الى علي بن أبي طالب وقال له: " علم ابن عمّك الوضوء والسنة ورح به اليّ".. وذهب به علي ثم رجع فقال له الرسول: " ناد في الناس أن رسول الله قد رضي عن أبي سفيان فارضوا عنه".. لحظة زمن، يقول الله لها: كوني مباركة، فتطوي آمادا وأبعادا من الشقوة والضلال، وتفتح أبواب رحمة ما لها حدود..!! لقد كاد أبو سفيان يسلم، بعد أن رأى في بدر وهو يقاتل مع قريش ما حيّر لبّه.. ففي تلك الغزوة تخلّف أبو لهب وأرسل مكانه العاص بن هشام.. وانتظر أبو لهب أخبار المعركة بفارغ الصبر وبدأت الأنباء تأتي حاملة هزيمة قريش المنكرة.. وذات يوم، أ[و لهب مع تفر من القرشيين يحلسون عند زمزم، اذ أبصروا فارسا مقبلا فلما دنا منهم اذا هو: أبو سفيان بن الحارث.. ولم يمهله أبو لهب، فناداه:" هلمّ اليّ يا بن أخي. فعندك لعمري الخبر.. حدثنا كيف كان أمر الناس"؟؟ قال أبو سفيان بن الحارث: " والله نا هو الا أن أن لقينا القوم حتى منحناهم أكتافنا، يقتلوننا كيف شاءوا، ويأسروننا كيف شاءوا.. وأيم الله ما لمت قريشا.. فلقد لقينا رجالا بيضا على خيل بلق، بين السماء والأرض، ما يشبهها شيء، ولا يقف أمامها شيء"..!! وأبو سفيان يريد بهذا أن الملائكة كانت تقاتل مع الرسول والمسلمين.. فما باله لم يسلم يومئذ وقد رأى ما رأى..؟؟ ان الشك طريق اليقين، وبقدر ما كانت شكوك أبي الحارث عنيدة وقوية، فان يقينه يوم يجيء سيكون صلبا قويا.. ولقد جاء يوم يقينه وهداه.. وأسلم لله رب العالمين.. ** ومن أولى لحظات اسلامه، راح يسابق الزمان عابدا، ومجاهدا، ليمحو آثار ما ضيه، وليعوّض خسائره فيه.. خرج مع الرسول فيما تلا فتح مكة من غزوات.. ويوم حنين، حيث نصب المشركون للمسلمين كمينا خطيرا، وانقضوا عليهم فجأة من حيث لا يحتسبون انقضاضا وبيلا أطار صواب الجيش المسلم، فولّى أكثر أجناده الأدبار وثبت الرسول مكانه ينادي: " اليّ أيها الناس.. أنا النبي لا كذب.. انا ابن عبدالمطلب.." في تلك اللحظة الرهيبة، كانت هناك قلة لم تذهب بصوابها المفاجأة وكان منهم أبو سفيان بن الحارث وولده جعفر.. ولقد كانأبو سفيان يأخذ بلجام فرس الرسول، وحين رأى ما رأى أدرك أن فرصته التي بحث عنها قد أهلت.. تلك أن يقضي نحبه شهيدا في سبيل الله، وبين يدي الرسول.. وراح يتشبث بمقود الفرس بيسراه، ويرسل السيف في نحور المشركين بيمناه. وعاد المسلمون الى مكان المعركة حتى انتهت، وتملاه الرسول ثم قال: " أخي أبو سفيان بن الحارث..؟؟" ما كاد أبو سفيان يسمع قو الرسول " أخي".. حتى طار فؤاده من الفرح والشرف. فأكبّ على قدمي الرسول يقبلهما، ويغسلهما بدموعه. وتحرّكت شاعريته فراح يغبط نفسه على ما أنعم الله عليه من شجاعة وتوفيق: لقد علمت أفناء كعب وعامر غداة حنين حين عمّ التضعضع بأني أخو الهيجاء، أركب حدّها أمام رسول الله لا أتتعتع رجاء ثواب اللهوالله راحم اليه تعالى كل أمر سيرجع ** وأقبل لأبو سفيان بن الحارث على العبادة اقبلال عظيما، وبعد رحيل الرسول عن الدنيا، تعلقت روحه بالموت ليلحق برسول الله في الدار الآخرة، وعاش ما عاش والموت أمنية حياته.. وذات يوم شاهده الناس في البقيع يحفر لحدا، ويسويّه ويهيّئه.. فلما أبدوا دهشتهم مما يصنع قال لهم: " اني أعدّ قبري".. وبعد ثلاثة أيام لا غير، كان راقدا في بيته، وأهله من حوله يبكون.. وفتح عينيه عليهم في طمأنينة سابغة وقال لهم: " لا تبكوا عليّ، فاني لم أتنظف بخطيئة منذ أسلمت"..!! وقبل أن يحني رأسه على صدره، لوّح به الى أعلى، ملقيا على الدنيا تحيّة الوداع..!!
الحلقة الحادية والثلاثون : أسامة بن زيد - الحبّ بن الحبّ جلس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقسّم أموال بيت المال على المسلمين.. وجاء دور عبدالله بن عمر، فأعطاه عمر نصيبه. ثم جاء دور أسامة بن زيد، فأعطاه عمر ضعف ما أعطى ولده عبدالله.. وذا كان عمر يعطي الناس وفق فضلهم، وبلائهم في الاسلام، فقد خشي عبدالله بن عمر أن يكون مكانه في الاسلام آخرا، وهو الذي يرجو بطاعته، وبجهاده، وبزهده، وبورعه،أن يكون عند الله من السابقين.. هنالك سأل أباه قائلا:" لقد فضّلت عليّ أسامة، وقد شهدت مع رسول الله ما لم يشهد"..؟ فأجابه عمر: " ان أسامة كان أحبّ الى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك.. وأبوه كان أحب الى رسول الله من أبيك"..! فمن هذا الذي بلغ هو وأبوه من قلب الرسول وحبه ما لم يبلغه ابن عمر، وما لم يبلغه عمر بذاته..؟؟ انه أسامة بن زيد. كان لقبه بين الصحابة: الحبّ بن الحبّ.. أبوه زيد بن حارثة خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي آثر الرسول على أبيه وأمه وأهله، والذي وقف به النبي على جموع أصحابه يقول: " أشهدكم أن زيدا هذا ابني، يرثني وأرثه".. وظل اسمه بين المسلمين زيد بن محمد حتى أبطل القرآن الكريم عادة التبنّي.. أسامة هذا ابنه.. وأمه هي أم أيمن، مولاة رسول الله وحاضنته، لم يكن شكله الخارجي يؤهله لشيء.. أي شيء.. فهو كما يصفه الرواة والمؤرخون: أسود، أفطس.. أجل.. بهاتين الكلمتين، لا أكثر يلخص التاريخ حديثه عن شكل أسامة..!! ولكن، متى كان الاسلام يعبأ بالأشكال الظاهرة للناس..؟ متى.. ورسوله هو الذي يقول: " ألا ربّ أشعث، أعبر، ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبرّه".. فلندع الشكل الخارجي لأسامة اذن.. لندع بشرته السوداء، وأنفه الأفطس، فما هذا كله في ميزان الاسلام مكان.. ولننظر ماذا كان في ولائه..؟ ماذا كان في افتدائه..؟ في عظمة نفسه، وامتلاء حياته..؟! لقد بلغ من ذلك كله المدى الذي هيأه لهذا الفيض من حب رسول الله عليه الصلاة والسلام وتقديره: " ان أسامة بن زيد لمن أحبّ الناس اليّ، واني لأرجو أن يكون من صالحيكم، فاستوصوا به خيرا". ** كان أسامة رضي الله عنه مالكا لكل الصفات العظيمة التي تجعله قريبا من قلب الرسول.. وكبيرا في عينيه.. فهو ابن مسلمين كريمين من أوائل المسلمين سبقا الى الاسلام، ومن أكثرهم ولاء للرسول وقربا منه. وهو من أبناء الاسلام الحنفاء الذين ولدوا فيه، وتلقوا رضعاتهم الأولى من فطرته النقية، دون أن يدركهم من غبار الجاهلية المظلمة شيء.. وهو رضي الله عنه على حداثة سنه، مؤمن، صلب، ومسلم قوي، يحمل كل تبعات ايمانه ودينه، في ولاء مكين، وعزيمة قاهرة.. وهو مفرط في ذكائه، مفرط في تواضعه، ليس لتفانيه في سبيل الله ورسوله حدود.. ثم هو بعد هذا، يمثل في الدين الجديد، ضحايا الألوان الذين جاء الاسلام ليضع عنهم أوزار التفرقة وأوضارها.. فهذا الأسود الأفطس يأخذ في قلب النبي، وفي صفوف المسلمين مكانا عليّا، لأن الدين الذي ارتضاه الله لعباده قد صحح معايير الآدمية والأفضلية بين الناس فقال: ( ان أكرمكم عند الله أتقاكم).. وهكذا رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل مكة يوم الفتح العظيم ورديفه هذا الأسود الأفطس أسامة بن زيد.. ثم رأيناه يدخل الكعبة في أكثر ساعات الاسلام روعة، وفوزا، وعن يمينه ويساره بلال، وأسامة.. رجلان تكسوهما البشرة السوداء الداكنة، ولكن كلمة الله التي يحملانها في قلبيهما الكبيرين قد أسبغت عليهما كل الشرف وكل الرفعة.. ** وفي سن مبكرة، لم تجاوز العشرين، أمر رسول الله أسامة بن زيد على جيش، بين أفراده وجنوده أبو بكر وعمر..!! وسرت همهمة بين نفر من المسلمين تعاظمهم الأمر، واستكثروا على الفتى الشاب، أسامة بن زيد، امارة جيش فيه شيوخ الأنصار وكبار المهاجرين.. وبلغ همسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصعد المنبر، وحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: " ان بعض الناس يطعنون في امارة أسامة بن زيد.. ولقد طعنوا في امارة أبيه من قبل.. وان كان أبوه لخليقا للامارة.. وان أسامة لخليق لها.. وانه لمن أحبّ الناس اليّ بعد أبيه.. واني لأرجو أن يكون من صالحيكم.. فاستوصوا به خيرا".. وتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يتحرّك الجيش الى غايته ولكنه كان قد ترك وصيته الحكيمة لأصحابه: " أنفذوا بعث أسامة.. أنفذوا بعث أسامة.." وهكذا قدّس الخليفة أبو بكر هذه الوصاة، وعلى الرغم من الظروف الجديدة التي خلفتها وفاة الرسول، فان الصدّيق أصرّ على انجاز وصيته وأمره، فتحرّك جيش أسامة الى غايته، بعد أن استأذنه الخليفة في أن يدع عمر ليبقى الى جواره في المدينة. وبينما كان امبراطور الروم هرقل، يتلقى خبر وفاة الرسول، تلقى في نفس الوقت خبر الجيش الذي يغير على تخوم الشام بقيادة أسامة بن زيد، فحيّره أن يكون المسلمون من القوة بحيث لا يؤثر موت رسولهم في خططهم ومقدرتهم. وهكذا انكمش الروم، ولم يعودوا يتخذون من حدود الشام نقط وثوب على مهد الاسلام في الجزيرة العربية. وعاد الجيش بلا ضحايا.. وقال عنه المسلمون يومئذ: " ما رأينا جيشا أسلم من جيش أسامة"..!! ** وذات يوم تلقى أسامة من رسول الله درس حياته.. درسا بليغا، عاشه أسامة، وعاشته حياته كلها منذ غادرهم الرسول الى الرفيق الأعلى الى أن لقي أسامة ربه في أواخر خلافة معاوية. قبل وفاة الرسول بعامين بعثه عليه السلام أميرا على سريّة خرجت للقاء بعض المشركين الذين يناوئون الاسلام والمسلمين. وكانت تلك أول امارة يتولاها أسامة.. ولقد أحرز في مهمته النجاح والفوز، وسبقته أنباء فوزه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرح بها وسر. ولنستمع الى أسامة يروي لنا بقية النبأ: ".. فاتيت النبي صلى الله عليه وسلم، وقد اتاه البشير بالفتح، فاذا هو متهلل وجهه.. فأدناني منه ثم قال: حدّثني.. فجعلت أحدّثه.. وذكرت أنه لما انهزم القوم أدركت رجلا وأهويت اليه بالرمح، فقال لا اله الا الله فطعنته وقتلته. فتغيّر وجه الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: ويحك يا أسامة..! فكيف لك بلا اله الا الله..؟ ويحك يا أسامة.. فكيف لك بلا اله الا الله..؟ فلم يزل يرددها عليّ حتى لوددت أني انسلخت من كل عمل عملته. واستقبلت الاسلام يومئذ من جديد. فلا والله لا أقاتل أحدا قال لا اله الا الله بعدما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم". ** هذا هو الدرس العظيم الذي وجّه جياة أسامة الحبيب بن الحبيب منذ سمعه من رسول الله الى أن رحل عن الدينا راضيا مرضيّا. وانه لدرس بليغ. درس يكشف عن انسانية الرسول، وعدله، وسموّ مبادئه، وعظمة دينه وخلقه.. فهذا الرجل الذي أسف النبي لمقتله، وأنكر على أسامة قتله، كان مشركا ومحاربا.. وهو حين قال: لا اله الا الله.. قالها والسيف في يمينه، تتعلق به مزغ اللحم التي نهشها من أجساد المسلمين.. قالها لينجو بها من ضربة قاتلة، أو ليهيء لنفسه فرصة يغير فيها اتجاهه ثم يعاود القتال من جديد.. ومع هذا، فلأنه قالها، وتحرّك بها لسانه، يصير دمه حراما وحياته آمنة، في نفس اللحظة، ولنفس السبب..! ووعى أسامة الدرس الى منتهاه.. فاذا كان هذا الرجل، في هذا الموقف، ينهى الرسول عن قتله لمجرّد أنه قل: لا اله الا الله.. فكيف بالذين هم مؤمنون حقا، ومسلمون حقا..؟ وهكذا رأيناه عندما نشبت الفتنة الكبرى بين الامام علي وأنصاره من جانب، ومعاوية وأنصاره من جانب آخر، يلتزم حيادا مطلقا. كان يحبّ عليّا أكثر الحب، وكان يبصر الحق الى جانبه.. ولكن كيف يقتل بسيفه مسلما يؤمن بالله وبرسله، وهو لذي لامه الرسول لقتله مشركا محاربا قال في لحظة انكساره وهروبه: لا اله الا الله..؟؟!! هنالك أرسل الى الامام علي رسالة قال فيها: " انك لو كنت في شدق الأسد، لأحببت أن أدخل معك فيه. ولكن هذا أمر لم أره"..!! ولزم داره طوال هذا النزاع وتلك الحروب.. وحين حاءه بعض أصحابه يناقشونه في موقفه قال لهم: " لا أقاتل أحدا يقول لا اله الا الله أبدا". قال أحدهم له: ألم بقل الله: ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)..؟؟ فأجابهم أسامة قائلا: " أولئك هم المشركون، ولقد قاتلناهم حتى لم تكن فتنة وكان الدين كله لله".. وفي العام الرابع والخمسين من الهجرة.. اشتاق أسامة للقاء الله، وتلملمت روحه بين جوانحه، تريد أن ترجع الى وطنها الأول.. وتفتحت أبواب الجنان، لتستقبل واحدا من الأبرار المتقين.
الحلقة الثانية والثلاثون : أبيّ بن كعب - ليهنك العلم، أبا المنذر سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم: " يا أبا المنذر..؟ أي آية من كتاب الله أعظم..؟؟ فأجاب قائلا: الله ورسوله أعلم.. وأعاد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سؤاله: أبا المنذر..؟؟ أيّ أية من كتاب الله أعظم..؟؟ وأجاب أبيّ: الله لا اله الا هو الحيّ القيّوم.. فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره بيده، وقال له والغبطة تتألق على محيّاه: ليهنك العلم أبا المنذر"... ** ان أبا المنذر الذي هنأه الرسول الكريم بما أنعم الله عليه من علم وفهم هو أبيّ بن كعب الصحابي الجليل.. هو أنصاري من الخزرج، شهد العقبة، وبدرا، وبقية المشاهد.. وبلغ من المسلمين الأوائل منزلة رفيعة، ومكانا عاليا، حتى لقد قال عنه أمير المؤمنين عمر رضي الله عنهما: " أبيّ سيّد المسلمين".. وكان أبيّ بن كعب في مقدمة الذين يكتبون الوحي، ويكتبون الرسائل.. وكان في حفظه القرآن الكريم، وترتيله اياه، وفهمه آياته،من المتفوقين.. قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما: " يا أبيّ بن كعب.. اني أمرت أن أعرض عليك القرآن".. وأبيّ يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انما يتلقى أوامره من الوحي.. هنالك سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في نشوة غامرة: " يا رسول الله بأبي أنت وأمي.. وهل ذكرت لك بأسمي"..؟؟ فأجاب الرسزل: " نعم.. باسمك، ونسبك، في الملأ الأعلى"..!! وان مسلما يبلغ من قلب النبي صلى الله عليه وسلم هذه المنزلة لهو مسلم عظيم جد عظيم.. وطوال سنوات الصحبة، وأبيّ بن كعب قريب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهل من معينه العذب المعطاء.. وبعد انتقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الرفيق الأعلى، ظلّ أبيّ على عهده الوثيق.. في عبادته، وفي قوة دينه، وخلقه.. وكان دائما نذيرا في قومه.. يذكرهم بأيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وماكانوا عليه من عهد، وسلوك وزهد.. ومن كلماته الباهرة التي كان يهتف بها في أصحابه: " لقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوهنا واحدة.. فلما فارقنا، اختلفت جوهنا يمينا وشمالا".. ** ولقد ظل مستمسكا بالتقوى، معتصما بالزهد، فلم تستطع الدنيا أن تفتنه أو تخدعه.. ذلك أنه كان يرى حقيقتها في نهايتها.. فمهما يعيش المرء، ومهما يتقلب في المناعم والطيبات، فانه ملاق يوما يتحول فيه كل ذلك الى هباء، ولا يجد بين يديه الا ما عمل من خير، أو ما عمل من سوء.. وعن عمل الدنيا يتحدّث أبيّ فيقول: " ان طعام ني آدم، قد ضرب للدنيا مثلا.. فان ملّحه، وقذحه، فانظر الى ماذا يصير"..؟؟ ** وكان أبيّ اذا تحدّث للناس استشرفته الأعناق والأسماع في شوق واصغاء.. ذلك أنه من الذين لم يخافوا في الله أحدا.. ولم يطلبوا من الدنيا غرضا.. وحين اتسعت بلاد الاسلام، ورأى المسلمين يجاملون ولاتهم في غير حق، وقف يرسل كلماته المنذرة: " هلكوا ورب الكعبة.. هلكوا وأهلكوا.. أما اني لا آسى عليهم، ولكن آسى على من يهلكون من المسلمين". ** وكان على كثرة ورعه وتقاه، يبكي كلما ذكر الله واليوم الآخر. وكانت آيات القرآن الكريم وهو يرتلها، أ، يسنعها، تهه وتهز كل كيانه.. وعلىأن آية من تلك الآيات الكريمة، كان اذا سمعها أو تلاها تغشاه من الأسى ما لا يوصف.. تلك هي: ( قل هو القادر على ان يبعث عليكم عذابا من فوقكم، أو من تحت أرجلكم، أو يلبسكم شيعا.. ويذيق بعضكم بأس بعض).. كان أكثر ما يخشاه أبيّ على الأمة المسلمو أن يأتي عليها اليوم الذي يصير بأس أبنائها بينهم شديدا.. وكان يسأل الله العافية دوما.. ولقد أدركها بفضل من الله ونعمة.. ولقي ربه مؤمنا، وآمنا ومثابا..
الحلقة الثالثة والثلاثون : أبو جابر عبدالله بن عمرو بن حرام - ظليل الملائكة عندما كان الأنصار السبعون يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الثانية، كان عبدالله بن عمرو بن حرام، أبو جابر بن عبدالله أحد هؤلاء الأنصار.. ولما اختار الرسول صلى الله عليه وسلم منهم نقباء، كان عبدالله بن عمرو أحد هؤلاء النقباء.. جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم نقيبا على قومه من بني سلمة.. ولما عاد الى المدينة وضع نفسه، وماله، وأهله في خدمة الاسلام.. وبعد هجرة الرسول الى المدينة، كان أبو جابر قد وجد كل حظوظه السعيدة في مصاحبة النبي عليه السلام ليله ونهاره.. ** وفي غزوة بدر خرج مجاهدا، وقاتل قتال الأبطال.. وفي غزوة أحد تراءى له مصرعه قبل أن يخرج المسلمون للغزو.. وغمره احساس صادق بأنه لن يعود، فكاد قلبه يطير من الفرح!! ودعا اليه ولد جابر بن عبدالله الصحابي الجليل، وقال له: " اني لا أراي الا مقتولا في هذه الغزوة.. بل لعلي سأكون أول شهدائها من المسلمين.. واني والله، لا أدع أحدا بعدي أحبّ اليّ منك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وان عليّ دبنا، فاقض عني ديني، واستوص باخوتك خيرا".. ** وفي صبيحة اليوم التالي، خرج المسلمون للقاء قريش.. قريش التي جاءت في جيش لجب تغزو مدينتهم الآمنة.. ودارت معركة رهيبة، أدرك المسلمون في بدايتها نصرا سريعا، كان يمكن أن يكون نصرا حاسما، لولا أن الرماة الذين امرهم الرسول عليه السلام بالبقاء في مواقعهم وعدم مغادرتها أبدا أغراهم هذا النصر الخاطف على القرشيين، فتركوا مواقعهم فوق الجبل، وشغلوا بجمع غنائم الجيش المنهزم.. هذا الجيش الذي جمع فلوله شريعا حين رأى ظهر المسلمين قد انكشف تماما، ثم فاجأهم بهجوم خاطف من وراء، فتحوّل نصر المسلمين الى هزيمة.. ** في هذا القتال المرير، قاتل عبدالله بن عمرو قتال مودّع شهيد.. ولما ذهب المسلمون بعد نهاية القتال ينظرون شهدائهم.. ذهب جابر ابن عبداله يبحث عن أبيه، حتى ألفاه بين الشهداء، وقد مثّل به المشركون، كما مثلوا يغيره من الأبطال.. ووقف جابر وبعض أهله يبكون شهيد الاسلام عبدالله بن عمرو بم جرام، ومرّ بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يبكونه، فقال: " ابكوه.. أ،لا تبكوه.. فان الملائكة لتظلله بأجنحتها"..!! ** كان ايمان أبو جابر متألقا ووثيقا.. وكان حبّه بالموت في سبيل الله منتهى أطماحه وأمانيه.. ولقد أنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فيما بعد نبأ عظيم، يصوّر شغفه بالشهادة.. قال عليه السلام لولده جابر يوما: " يا جابر.. ما كلم الله أحدا قط الا من وراء حجاب.. ولقد كلّم كفاحا _أي مواجهة_ فقالفقال له: يا عبدي، سلني أعطك.. فقال: يا رب، أسألك أن تردّني الى الدنيا، لأقتل في سبيلك ثانية.. قال له الله: انه قد سبق القول مني: أنهم اليها لا يرجعون. قال: يا رب فأبلغ من ورائي بما أعطيتنا من نعمة.. فأنزل الله تعالى: (ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا، بل أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين بما أتاهم الله من فضله، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم. ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون)". ** وعندما كان المسلمون يتعرفون على شهدائهم الأبرار، بعد فراغ القتال في أحد.. وعندما تعرف أهل عبدالله بن عمرو على جثمانه، حملته زوجته على ناقتها وحملت معه أخاها الذي استشهد أيضا، وهمّت بهما راجعة الى المدينة لتدفنهما هناك، وكذلك فعل بعض المسلمين بشهدائهم.. بيد أن منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم لحق بهم وناداهم بأمر رسول الله أن: " أن ادفنوا القتلى في مصارعهم".. فعاد كل منهم بشهيده.. ووقف النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يشرف على دفن أصحابه الشهداء، الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وبذلوا أرواحهم الغالية قربانا متواضعا لله ولرسوله. ولما جاء دور عبدالله بن حرام ليدفن، نادى رسول الله صلى اله عليه وسلم: " ادفنوا عبدالله بن عمرو، وعمرو بن الجموح في قبر واحد، فانهما كانا في الدنيا متحابين، متصافين".. ** والآن.. في خلال اللحظات التي يعدّ فيها القبر السعيد لاستقبال الشهيدين الكريمين، تعالوا نلقي نظرة محبّة على الشهيد الثاني عمرو بن الجموح...
الحلقة الرابعة والثلاثون :عمير بن وهب - شيطان الجاهلية، وحواريّ الاسلام في يوم بدر، كان واحدا من قادة قريش الذين حملوا سيوفهم ليجهزوا على الاسلام. وكان حديد البصر، محكم التقدير، ومن ثم ندبه قومه ليستطلع لهم عدد المسلمين الذين خرجوا مع الرسول للقائهم، ولينظر ان كان لهم من وزرائهم كمين أو مدد.. وانطلق عمير بن وهب الجمحيّ وصال بفرسه حول معسكر المسلمين، ثم رجع يقول لقومه:" انهم ثلاثمائة رجل، يزيدون قليلا أ، ينقصون" وكان حدسه صحيحا. وسألوه: هل وراءهم امتداد لهم؟؟ فأجابهم قائلا: " لم أجد وراءهم شيءا.. ولكن يا معشر قريش، رأيت المطايا تحمل الموت الناقع.. قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ الا سيوفهم.. " والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجل منكم، فاذا أصابوا منكم مثل عددهم، فما خير العيش بعد ذلك..؟؟ " فانظروا رأيكم".. وتأثر بقوله ورأيه نفر من زعماء قريش، وكادوا يجمعون رجالهم ويعودون الى مكة بغير قتال، لولا أبي جهل الذي أفسد عليهم رأيهم، وأضرم في النفوس نار الحقد، ونار الحربو التي كان هو أول قتلاها.. ** كان أهل مكة يلقبونه بـ شيطان قريش.. ولقد أبلى شيطان قريش يوم بدر بلاء لم يغن قومه شيئا، فعادت قوات قريش الى مكة مهزومة مدحورة، وخلّف عمير بن وهب في المدينة بضعة منه.. اذ وقع ابنه في أيدي المسلمين أسيرا.. وذات يوم ضمّه مجلس ابن عمّه صفوان بن أميّة.. وكان صفوان يمضغ أحقاده في مرارة قاتلة، فان أباه أميّة بن خلف قد لقي مصرعه في بدر وسكنت عظامه القليب. جلس صفوان وعمير يجترّان أحقادهما.. ولندع عروة بن الزبير ينقل الينا حديثهما الطويل: " قال صفوان، وهو يذكر قتلى بدر: والله ما في العيش بعدهم من خير..! وقال له عمير: صدقت، ووالله لولا دين محمد عليّ لا أملك قضاءه، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي لركبت الى محمد حتى أقتله، فان لي عنده علة أعتلّ بها عليه: أٌقول قدمت من أجل ابني هذا الأسير. فاغتنمها صفوان وقال: عليّ دينك.. أنا أقضيه عنك.. وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا.. فقال له عمير:اذن فاكتم شأني وشأنك..." ثم أمر عمير بسيفه فشحذ له وسمّ، ثم انطلق حتى قدم المدينة. وبينما عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر، ويذكرون ما أكرمهم الله به، اذ نظر عمر فرأى عمير بن وهب، قد أناخ راحلته على باب المسجد، متوشحا سيفه، فقال: هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب، والله ما جاء الا لشرّ.. فهو الذي حرّش بيننا وحزرنا للقوم يوم بدر.. ثم دخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فال: يا نبي الله هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاء متوشحا سيفه.. قال صلى الله عليه وسلم: أدخله عليّ.." فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه فلبّبه بها، وقال لرجال ممن كانوا معه من الأنصار، ادخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجلسوا عنده واحذروا عليه من هذا الخبيث، فانه غير مأمون." ودخل به عمر على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو آخذ بحمّالة سيفه في عنقه فلما رآه الرسول قال: دعه يا عمر.. اذن يا عمير.. فدنا عمير وقال: انعموا صباحا، وهي تحيّة الجاهلية، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير، بالسلام.. تحية أهل الجنة. فقال عمير: أما والله يا محمد ان كنت بها لحديث عهد. قال لرسول: فما جاء بك يا عمير..؟؟ قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم. قال النبي: فما بال السيف في عنقك..؟؟ قال عمير: قبّحها الله من سيوف، وهل أغنت عنا شيئا..؟! قال الرسول صلى الله عليه وسلم: أصدقني يا عمير، ما الذي جئت له..؟ قال: ما جئت الا لذلك. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: بل قعدت أنت وصفوان بن أميّة في الحجر فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت، لولا دين عليّ، وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدا، فتحمّل لك صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني له، والله حائل بينك وبين ذلك..!!! وعندئذ صاح عمير: أشهد أن لا اله الا الله، وأشهد أنك رسول الله.. هذا أمر لم يحضره الا أنا وصفوان، فوالله ما أنبأك به الا الله، فالحمد لله الذي هداني للاسلام.. فقال الرسول لأصحابه: فقّهوا أخاكم في الدين وأقرئه القرآن، وأطلقوا أسيره....!! ** خكذا أسلم عمير بن وهب.. هكذا أسلم شيطان قريش، وغشيه من نور الرسول والاسلام ما غشيه فاذا هو في لحظة يتقلب الى حواريّ الاسلام..!! يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: " والذي نفسي بيده، لخنزير كان أحبّ اليّ من عمير حين طلع علينا.. ولهو اليوم أحبّ اليّ من بعض ولدي"..!! ** جلس عمير يفكّر بعمق في سماحة هذا الدين، وفي عظمة هذا الرسول: ثم تذكر بلاءه يوم بدر وقتاله. وتذكر أيامه الخوالي في مكة وهو يكيد للاسلام ويحاربه قبل هجرة الرسول وصحبه الى المدينة. ثم هاهو ذا يجيء اليوم متوشحا سيفه ليقتل به الرسول. كل ذلك يمحوه في لحظة من الزمان قوله:" لا اله الا الله، محمد رسول الله"..!! أيّة سماحة، وأي صفاء، وأية ثقة بالنفس يحملها هذا الدين العظيم..!! أهكذا في لحظة يمحو الاسلام كل خطاياه السالفة، وينسى المسلمون كل جرائره وعداواته السابقة، ويفتحون له قلوبهم، ويأخذونه بالأحضان..؟! أهكذا والسيف الذي جاء معقودا على شرّ طوية وشرّ جريمة، لا يزال يلمع أمام أبصارهم، ينسي ذلك كله، ولا يذكر الآن الا أن عميرا باسلامه، قد أصبح احدا من المسلمين ومن أصحاب الرسول، له ما لهم.. وعليه ما عليهم..؟!!! أهكذا وهو الذي ودّ عمر بن الخطاب منذ لحظتين أن يقتله، يصبح أحب الى عمر من ولده وبنيه..؟؟؟!!! اذا كانت لحظة واحدة من الصدق، تلك التي أعلن فيها عمر اسلامه، تحظى من الاسلام بكل هذا التقدير والتكريم والمثوبة والاجلال، فان الاسلام اذن لهو دين عظيم..!! ** وفي لحظات عرف عمير واجبه تجاه هذا الدين.. أن يخدمه بقدر ما حاربه، وان يدعو اليه، بقدر ما دعا ضدّه.. وأن يري الله ورسوله ما يحب الله ورسوله من صدق، وجهاد وطاعة.. وهكذا أقبل على رسول الله ذات يوم، قائلا: " يا رسول الله: انب كنت جاهدا على اطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله عز وجل، واني أحب أن تأذن لي فأقدم مكة، فأدعوهم الى الله تعالى، والى رسوله، والى الاسلام، لعلّ الله يهيدهم، والا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذي أصحابك في دينهم".. في تلك الأيام، ومنذ فارق عمير مكة متوجها الى المدينة كان صفوان بن أمية الذي اغرى عميرا بالخروج لقتل الرسول، يمشي في شوارع مكة مختالا، ويغشي مجالسها وندواتها فرحا محبورا..! وكلما سأله قومه واخوته عن شسر فرحته ونشوته، وعظام أبيه لا تزال ساخنة في حظائر بدر، يفرك كفّيه في غرور يقول للناس:" أبشروا بوقعة يأتيكم نبأها بعد أيام تنسيكم وقعة بدر"..! وكان يخرج الى مسارف مكة كل صباح يسأل القوافل والركبان:" ألم يحدث بالمدينةأمر". وكانوا يجيبونه بما لا يحب ويرضى، فما منهم من أحد سمع أو رأى في المدينة حدثا ذا بال. ولم ييأس صفوان.. بل ظلّ مثابرا على مساءلة الركبان، حتى لقي بعضهم يوما فسأله:" ألم يحدث بالمدينةأمر"..؟؟ فأجابه المسافر: بلى حدث أمر عظيم..!! وتهللت أسارير صفوان وفاضت نفسه بكل ما في الدنيا من بهجة وفرح.. وعاد يسأل الرجل في عجلة المشتاق:" ماذا حدث اقصص عليّ".. وأجابه الرجل: لقد أسلم عمير بن وهب، وهو هناك يتفقه في الدين، ويتعلم القرآن"..!! ودرات الأرض بصفوان.. والوقعة التي كان يبشر بها قومه، والتي كان ينتظهرا لتنسيه وقعة بدر جاءته اليوم في هذا النبأ الصاعق لتجعله حطاما..!! ** وذات يوم بلغ المسافر داره.. وعاد عمير الى مكة شاهرا سيفه، متحفزا للقتال، ولقيه أول ما لقيه صفوان بن أمية.. وما كاد يراه حتى هم بمهاجمته، ولكن السيف المتحفز في يد عمير ردّه الى صوابه، فاكتفى بأن ألقى على سمع عمير بعض شتائمه ثم مضى لسبيله.. دخل عمير بن وهب مكة مسلما، وهو الذي فارقها من أيام مشركا، دخلها وفي روعة صورة عمر بن الخطاب يوم أسلم، ثم صاح فور اسلامه قائلا: " والله لا أدع مكانا جلست فيه بالكفر، الا جلست فيه بالايمان". ولكأنما اتخذ عمير من هذه الكلمات شعارا، ومن ذلك الموقف قدوة، فقد صمم على نذر حياته للدين الذي طالما حاربه.. ولقد كان في موقف يسمح له بأن ينزل الأذى بمن يريد له الأذى.. وهكذا راح يعوّض ما فاته.. ويسابق الزمن الى غايته، فيبشر بالاسلام ليلا ونهارا.. علانية واجهارا.. في قلبه ايمانه يفيض عليه أمنا، وهدى ونورا.. وعلى لسانه كلمات حق، يدعو بها الى العدل والاحسان والمعروف والخير.. وفي يمينه سيف يرهب به قطاع الطق الذين يصدّون عن سبيل الله من آمن به، ويبغونها عوجا. وفي بضعة أسابيع كان الذين هدوا الى الاسلام على يد عمير يفوق عددهم كل تقدير يمكن أن يخطر ببال. وخرج عمير بهم الى المدينة في موكب طويل مشرق. وكانت الصحراء التي يجتازونها في سفرهم لا تكتم دهشتها وعجبها من هذا الرجل الذي مرّ من قريب حاملا سيفه، حاثّا خطاه الى المدينة ليقتل الرسول، ثم عبرها مرّة أخرى راجعا من المدينة بغير الوجه الذي ذهب به يرتل القرآن من فوق ظهر ناقته المحبورة.. ثم ها هو ذا يجتازها مرة ثالثة على رأس موكب كبير من المؤمنين يملؤون رحابها تهليلا وتكبيرا.. ** أجل لنه لنبأ عظيم.. نبأ شيطان قريش الذي أحالته هداية الله الى حواريّ باسل من حوارييّ الاسلام، والذي ظلّ زاقفا الى جوار رسول الله في الغزوات والمشاهد، وظلّ ولاؤه لدين الله راسخا بعد رحيل الرسول عن الدنيا. وفي يوم فتح مكة لم ينس عمير صاحبه وقريبه صفوان بن أمية فراح اليه يناشده الاسلام ويدعوه اليه بعد أن لم يبق شك في صدق الرسول، وصدق الرسالة.. بيد أن صفوان كان قد شدّ رحاله صوب جدّة ليبحر منها الى اليمن.. واشتدّ اشفاق عمير على صفوان، وصمم على أن يستردّه من يد الشيطان بكل وسيلة. وذهب مسرعا الى رسول ا