الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد ..
فإن من أعظم ما تصرف فيه الأوقات وأسمى ما تتطلع إليه الهمم وأرقى دروب العلم ومسالكه وأقربها طريقا للجنة وأوفرها حظا برضا الرحمن وأكرمها عليه ما كان متعلقا بفهم كلام الله جل وعلا ومراده وقد خص نبينا صلى الله عليه وسلم ابن عباس رضي الله عنهما بدعوة فقال له : ( اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل )
وفي هذا المتصفح سنحاول أن نكون ممن قال الله فيهم : ( ما جلس قوم يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم ....... الحديث )
لعل الله أن ينزل علينا سكينته أو تغشانا رحمته أو تحفنا ملائكته أو نحظى بذكر الله عز وجل لنا فيمن عنده ، وفي هذا الحديث لن التزم نهج معين سوى أن أكون بعون الله وتوفيقه مفيدا ما أمكنني ذلك فإن رأيت فائدة لغوية ذكرها وإن ذكرت حكما شرعيا وضعته وإن تذكرت قولا لأحد العلماء أوردته وهكذا ..
وقبل أن أشرع في إلقاء بعض الضوء على تفسير هذه السورة المباركة يجدر بي أن أذكر بأن لهذه السورة المباركة عدة أسماء منها ..
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الحمد لله أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني والقرآن العظيم )
وتسمى أيضا فاتحة الكتاب والفاتحة والحمد والصلاة لقوله عليه الصلاة والسلام عن ربه : ( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، فإن قال العبد : الحمد لله رب العالمين ، قال الله : حمدني عبدي ) الحديث
ويقال لها أيضا الشفاء لما رواه الدارمي عن أبي سعيد مرفوعا : ( فاتحة الكتاب شفاء من كل سم )
ويقال لها الرقية لحديث أبي سعيد في الصحيح حين رقى بها الرجل السليم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وما يدريك أنها رقية )
وروى الشعبي عن ابن عباس أنه سماها : أساس القرآن ، قال فأساسها بسم الله الرحمن الرحيم
وسماها سفيان بن عيينة : الواقية
وسماها يحيى بن كثير : الكافية لأنها تكفي ما عداها ولا يكفي ما سواها عنها كما جاء في الأحاديث المرسلة : ( أم القرآن عوض من غيرها ، وليس غيرها عوضا عنها )
ويقال لها سورة الصلاة والكنز ، ذكرهما الزمخشري في كشافه .
يقول ابن القيم الجوزية رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته في مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين ما معناه ..
إن الله أنزل مائة وأربعة كتب اختصرها في ثلاثة هي ( التوراة والإنجيل والقرآن ) واختصر الثلاثة في واحد هو القرآن واختصر القرآن في سور المفصل ( وهي من سورة ق وحتى الناس ) ثم اختصرها في سورة واحدة هي ( الحمد ) ثم اختصرها في آية واحدة هي ( إياك نعبد وإياك نستعين ) ولهذا فإن هذه الآية اختصار لجميع الرسالات السماوية .. انتهى كلامه بتصرف
وسورة الفاتحة سورة مكية على قول الأكثرين وقيل مدنية وقيل نزلت مرة بمكة ومرة بالمدينة ولذلك سميت مثاني والأول أصح : أنها مكية لأن الله تعالى منّ على الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله : ( ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم ) والمراد منها فاتحة الكتاب وسورة الحجر مكية فلم يكن يمنّ عليه بها قبل نزولها ..
بعض الفوائد ...
في لغة العرب يسمى الشيء بضده أحيانا من باب التفاؤل ففي حديث أبي سعيد في الصحيح لما رقى بها الرجل السليم ، فالمقصود هنا بالسليم اللديغ والعرب تسمى اللديغ بذلك تفاؤلا بشفائه وكذلك يسمى الأعمى بصيرا وتسمى القافلة بذلك من هذا الباب تفاؤلا برجوعها سالمة ..
أما تسمية السورة بمكية أو مدنية فقد أختلف في ذلك فمنهم من حدد ذلك بالزمان فقال ما أنزل قبل الهجرة فهو مكي وما أنزل بعدها فهو مدني بغض النظر عن مكان نزول الآيات أو السور ، وقال آخرون بل هو المكان فما أنزل بمكة فهو مكي وما أنزل بالمدينة فهو مدني والأول أصح وأظهر ..
والفاتحة سبع آيات بلا خلاف ( وقال عمرو بن عبيد : ثمان ، وقال حسين الجعفي : ستة ، وهذان شاذان )
أما البسملة فقد اختلف فيها على أقوال فمنهم من قال هي آية مستقلة من كل سورة أو من أول كل سورة كتبت في أولها أو أنها بعض آية من أول كل سورة أو أنها كذلك في الفاتحة دون غيرها أو أنها إنما كتبت للفصل لا أنها آية على أقوال للعلماء سلفا وخلفا
ففي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه ( بسم الله الرحمن الرحيم )
والخلاف مبسوط في كتب التفسير لمن أراد الاستزادة من ذلك والجهر بالبسملة من عدمها كذلك يتبع هذا الخلاف فمن قال بأنها ليست بآية لم يجهر بها وكذا من قال بأنها آية من أولها وأما من قال بأنها من أوائل السورة فاختلفوا .
وقوله ( بسم الله ) الباء أداة تخفض ما بعدها مثل مِن و عَن والمتعلق به الباء محذوف لدلالة الكلام عليه ، تقديره ( أبدأ بسم الله ) ويكون دائما فعل كنحو أبدأ أصنف أقرأ أكتب أأكل وغير ذلك ، وأسقطت الألف من الاسم طلبا للخفة وكثرة استعمالها ، ولا تحذف الألف إذا أضيف الاسم إلى غير الله أو مع غير الباء ..
والاسم هو المسمى وعينه وذاته قال تعالى : ( إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى ) أخبر أن اسمه يحيى ، ثم نادى فقال : ( يا يحيى ) وقال : ( ما تعبدون من دون الله إلا أسماء سميتموها ) وأراد الأشخاص المعبودة لأنهم كانوا يعبدون المسميات وقال : ( سبح اسم ربك الأعلى ) وقال : ( تبارك اسم ربك ) ثم يقال للتسمية أيضا : اسم ، فاستعماله في التسمية أكثر من المسمى ، فإن قيل : ما معنى التسمية من الله لنفسه ؟ قيل : هو تعليم للعباد كيف يفتتحون القراءة )
واختلفوا في اشتقاقه ، قال المبرد في البصريين : هو مشتق من السمو وهو العلو ، فكأنه علا على معناه وظهر عليه ، وصار معناه تحته ، وقال ثعلب الكوفيين : هو من الوسم والسمة وهي العلامة ، وكأنه علامة لمعناه والأول أصح لأنه يُصَغَّر على السُّمَيِّ ولو كان من السمة لكان يُصَغَّر على الوسيم كما يقال في الوعد والوعيد ويقال في تصريفه : سميت ولو كان في الوسم لقيل وَسَمْتُ ..
الله : اسم علم على الرب تبارك وتعالى لا اشتقاق له كأسماء الأعلام للعباد كزيد وعمرو ، وقال جماعة : هو مشتق ، ثم اختلفوا في اشتقاقه فقيل : من إله إلاهة ، أي عبد عبادة وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما : ( ويذرك وإلاهتك ) أي : عبادتك – معناه : أنه مستحق للعبادة دون غيره ، وقيل : أصله إله ، قال الله عز وجل : ( وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ) قال المبرد : هو من قول العرب : ألهت إلى فلان أي : سكنت إليه . قال الشاعر :
• أَلِهْتُ إليها والحَوَادِثُ جَمَّةٌ
فكأن الخلق يسكنون إليه ويطمئنون بذكره ، ويقال : ألهتُ إليه ، أي : فزعت إليه . قال الشاعر
• ألِهْتُ إليها والرَّكَائِبُ وُقَّفٌ
وقيل أصل الإله ( ولاهٌ ) فأبدلت الواو بالهمزة مثل وشاح وإشاح ، اشتقاقه من الوله ، لأن العباد يَوْلَهُون إليه ، أي : يفزعون إليه في الشدائد ، ويلجؤون إليه في الحوائج ، كما يَوْلَهُ كل طفل إلى أُمِّه ، وقيل : هو من الوَلَه ، وهو ذهاب العقل لفقد من يعز عليك .
( الرحمن الرحيم ) قال : ابن عباس رضي الله عنهما هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر . واختلفوا فيهما ، منهم من قال : هما بمعنى واحد ، مثل ندمان ونديم ، ومعناهما : ذو الرحمة ، وذكر أحدهما بعد الآخر ( تطميعا ) لقلوب الراغبين ، وقال : المبرد : هو إنعام بعد إنعام ، وتفضُّل بعد تفضُّل ، ومنهم من فرق بينهما فقال : الرحمن بمعنى العموم ، والرحيم بمعنى الخصوص ، فالرحمن بمعنى الرازق في الدنيا وهو على العموم لكافَّة الخلق ، والرحيم بمعنى المعافي في الآخرة ، والعفو في الآخرة للمؤمنين على الخصوص ، ولذلك قيل في الدعاء : ( يا أرحم الراحمين ) ، يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة ، فالرحمن من تصل رحمته إلى الخلق على العموم ، والرحيم من تصل رحمته إليهم على الخصوص
فوائد :
* الإختلاف بين العلماء في حالة عدم وجود نص قاطع يفصل في المسألة سائغ ومرده إلى أربعة أمور هي : ( الثبوت والدلالة والإحكام وسلامة النص من معارض )
وجميع الأئمة رحمهم الله تعالى كانوا مجمعين على أن النص هو الحكم الصحيح وكانوا يجتهدون برأيهم إذا لم يجدوا في تلك المسألة نص معين وينقل عن الأئمة الأربعة جميعا قولهم : ( إذا صح الحديث فهو مذهبي ) أي أنهم يتجردون مما قالوه ويرمون به عرض الحائط إن خالف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك لأن الحديث في تلك الفترة لم يكن في جمع وصنفت فيه الكتب إلا قليلا ، وكان بعضهم يصله الحديث فيحكم به والبعض الآخر لا يصله أو يصله من طريق ضعيفة أو ثبت عنده ما يعارض ذلك النص ولم يثبت عند غيره أو غير ذلك مما يستساغ فيه الخلاف .
• البعض هداهم الله ينكر في مسائل الخلاف ويشنع على القائل بغير مذهبه وقد يكون القولان قويان ولكل قول من يرجحه من كبار علماء الأمة وفقهائها وقد يصعب الفصل في المسألة وقد يتفق كبار العلماء سلفا وخلفا على أنه يجوز العمل بكلى القولين أو بثلاثة أقوال في المسألة ولكن يأتي من يحجر واسعا ويأبى على الناس إلا أن يأخذوا برأيه .
• من الأسماء ما لا يجوز إطلاقه على غير الله عز وجل فمن ذلك الله والرحمن وقيل أيضا ( أحدٌ ) وهذه الأخيرة قد يجوز إطلاقها في حالة النفي على أي أحد ولكن في حالة الإثبات لا يجوز ذلك بل يقال واحد مثال ذلك أن تقول : ( لم يدخل من هذا الباب أحد ) فإذا ما أردت الإثبات قلت : دخل من هذا الباب رجل واحد ، أما الله فهو علم على ذات الله وقيل هو الاسم الأعظم وعرفه إن أحد علماء اللغة حينا أتى لتعريفه قال : الله أشهر الأسماء علم لا يعرف ، ويروى أنه رؤى بعد مماته فقيل له ما فعل الله بك ، قال : غفر لي وأدخلي الجنة ، قيل : بماذا ، قال : بتعريفي لاسم الله في كتابي ( ولا أذكر الآن من هو هذا الإمام ) ، أما الرحمن فقيل أنه عام المعنى خاص اللفظ والرحيم عام اللفظ خاص المعنى ، وبقية الأسماء يجوز تسمية غير الله فيقال للأعمى بصير وللبعض حكيم وهكذا ...